المقدمة 

قبل ثلاثة مليارات سنة ، كانت الأشياء على الأرض مختلفة . لسبب واحد وهو أنه لم يكن هناك كل هذا الأكسجين في كل مكان ، فكان على البكتيريا الزرقاء الأولى ” cyanobacteria ” إيجاد طريقة للعيش على ثاني أكسيد الكربون البركاني والماء وضوء الشمس.

عاشت هذه الكائنات الحية القديمة لاهوائيا (بدون أكسجين) ، والغريب أن ما نتنفسه اليوم هو نمط الغلاف الجوي الذي أتاحوه لنا ، لأن الناتج الثانوي لاستقلابهم الغذائي هو غاز الأكسجين ، الذي تجاوزت نسبته في الغلاف الجوي للأرض قدرتها على التحمل فأجبرت هذه الكائنات اللاهوائية في البقاء في الزوايا الخالية من الأكسجين كالشقوق العميقة المظلمة في أرجاء الكوكب وبقيت بسيطة وحيدة الخلية . 

إنه حيوان ولكن بدون متقدرات (ميتوكوندريا)

عندما تكون هناك قاعدة ، عادة ما يكون هناك استثناء ، حيث اكتشفت مجموعة من العلماء  طفيلي صغير من شعبة اللاسعات ” Cnidaria ” – أحد أقارب قناديل البحر – على ما يبدو لا يستخدم الأكسجين للتنفس . ونشروا نتائجهم في عدد 24 فبراير 2020 من منشورات الأكاديمية الوطنية للعلوم ( PNAS ) .

صورة بالمجهر الضوئي للطفيلي من اللاسعات المسمى (Henneguya salminicola) الذي يتطفل على انسجة سمك السلمون ، المصدر : STEPHEN ATKINSON

هذا الحيوان المسمى هينيغويا سالمونيكولا ” Henneguya salminicola ” ، الصورة في الأعلى ، هو طفيل صغير ذو رأس غريب مع ذيل طويل يتغذى على أنسجة العضلات من سمك السلمون والأسماك الأخرى . إنه من حقيقيات النوى ” eukaryotes ” – وهي مجموعة واسعة من الكائنات الحية التي تتضمن معظم الكائنات الحية التي يمكنك رؤيتها بالعين المجردة : كالحيوانات والنباتات والفطريات ، إلخ .

 

 

تحتوي خلايا حقيقيات النوى على جميع أنواع العضيات المتطورة التي لا تمتلكها نظيراتها  بدائيات النوى ” prokaryotes ” . واحدة من تلك العضيات هي الميتوكوندريا أو المتقدرات ، وهي بنية تحتوي على جينوم صغير خاص بها ، منفصل عن بقية الكائن الحي ، والذي تستخدمه الخلايا حقيقية النواة لإنتاج الطاقة ، بمساعدة الأكسجين .

ولكن ضمن المجموعة الكبيرة التي نسميها ” حقيقيات النوى ” ، هناك عدد قليل من الأنواع الغير حيوانية وحيدة الخلية لا هوائية أي ليس لديهم الميتوكوندريا ، ولكن لديهم شيء يسميه العلماء ” العضيات المرتبطة بالميتوكوندريا “.ويعتبر Henneguya salminicola أول حيوان يمتلك هذه الميزة . 

يبدو الأمر غريب جدا بعض الشيء ، ولكن كيف وصل هذا الحيوان إلى هذا النمط أو هذه الميزة ؟

تطور شاذ

يقول مؤلف الدراسة ستيفن أتكينسون ، أستاذ البحوث في قسم علم الأحياء الدقيقة بجامعة ولاية أوريغون : ” من شبه المؤكد أن أسلاف الهينيغويا كانوا يمتلكون الميتوكوندريا ، لأن جميع الأقارب المقربين من هذا الحيوان لديهم الميتوكوندريا ، لذلك يبدو أن التطور في نمط الحياة اللاهوائي وفقدان الميتوكوندريا الوظيفية هو تكيف حديث لهذا النوع وحده فقط ،  على الأقل هذا ما نعرفه حتى الآن ” . 

 

 

في خلايا الحيوانات النموذجية ، تستخدم الميتوكوندريا الأكسجين في عملية متعددة الخطوات لتوليد الطاقة الكيميائية . وجد فريق البحث أن الطفيلي كان عليه فقط أن يتكيف مع بيئة بها القليل من الأكسجين المتاح . 

دون الحاجة إلى الميتوكوندريا ، فقدت هذه الطفيليات التعليمات الجينية لعدة أجزاء على الأقل من العمليات التي تستخدم الأكسجين – على سبيل المثال ، فقدت Henneguya salminicola جينوم الميتوكوندريا ، الذي تحتاجه الخلايا الحيوانية الأخرى لأنها تحتوي على تعليمات استخدام الأكسجين .  من خلال فقدان الجينوم ، يوفر الطفيلي الطاقة من خلال عدم الاضطرار إلى نسخ الجينات لأشياء لم يعد بحاجة إليها .

ولكن في المقام الأول ، كيف يمكن لهذه الطفيليات البقاء بدون الأكسجين ؟ 

يقول أتكينسون : ” نفترض أنه بدلاً من امتصاصها الأوكسجين لتوليد الطاقة اللازمة لها  فإنها تقوم بامتصاص الجزيئات المرتبطة بإنتاج الطاقة من الخلايا المضيفة ، التي قامت بالفعل بجزء من المعالجة . فسرقة شيء من المضيف أمر أساسي للتطفل ” . 

ماذا يعني أن تكون حيوانا 

مثل العديد من الاكتشافات المهمة ، كانت هذه النتيجة غير متوقعة تماما – فقد كان الباحثون يسعون في تجاربهم لمقارنة جينومات طفيلين صغيرين ، وفي كل مرة حاولوا فيها تشغيل جين Henneguya salminicola ، كان هناك شيء غريب جدا . وقد نظروا إلى الأمر أبعد من ذلك ، فوجدوا أن خليته تحتوي على كيس فارغ صغير قد يكون فيه الميتوكوندريا . 

يقول أتكينسون : ” لقد وسع هذا الاكتشاف فهمنا لما يعنيه _( أن تكون  حيوانا ) من خلال إظهار أنه حتى الحياة المعقدة يمكن أن تتطور بطريقة تحقق النجاح في بيئات خالية من الأكسجين”. إن معرفة أن الحيوانات اللاهوائية يمكن أن تُكوٍّنَ تنبيها لنا إلى حقيقة أننا يجب أن نبحث عن هذا في الأنواع الأخرى وربما ننظر في البيئات اللاهوائية للحيوانات حيث لم نكن لننظر من قبل ” .

 

 

يضيف اتكينسون قائلا : ” على وجه التحديد بالنسبة لأبحاث طفيلي الميكوزوان ” myxozoan ” ، فهذا يعني أننا سنبحث عن الميتوكوندريا غير المعتادة أو المفقودة في الأنواع الأخرى من الآن فصاعدا ، لمحاولة اكتشاف الروابط بين المضيفين والأنسجة والبيئة التي تؤدي إلى فقدان وظيفة الميتوكوندريا للاستفادة من التمثيل الغذائي اللاهوائي  ” . 

إن اكتشاف الآليات اللاهوائية في هذه الطفيليات يمكن أن يفتح أيضا سبيلا جديدا للعلاج ، حيث يتم استخدام عقاقير محددة لاستهداف طفيليات لا هوائية أخرى . فهناك اثنين من حقيقيات النوى الأخرى التي فقدت الميتوكوندريا هي الجيارديا ” giardia ” ، وهو طفيلي يعيش في الأمعاء ، والطفيلي الذي يسبب عدوى داء المشعرات التي ينتقل عن طريق الاتصال الجنسي ، أو ” trich ” ، والذي يدعى Trichomonas vaginalis .

المراجع : 

  1. موقع علمي : Anaerobic Organism ; science direct 

  2.  موقع الكتروني : Berkeley University Of California (UCMP); Introduction to Cnidaria
  3. مقالة علمية : Dayana Yahalomi, View ORCID ProfileStephen D. Atkinson, Moran Neuhof et al ; A cnidarian parasite of salmon (Myxozoa: Henneguya) lacks a mitochondrial genome ; Proceedings of the National Academy of Sciences Mar 2020, 117 (10) 5358-5363; DOI: 10.1073/pnas.1909907117